وهبة الزحيلي

78

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

على نفسه ، مع علمه بأنه قد غفر له ، حتى إنه في القيامة يقول : إني قتلت نفسا لم أومر بقتلها . وكان ذلك القتل قبل النبوة ، كما عرفنا . والقتل الخطأ ذنب ، بدليل إيجاب الكفارة عليه في شرعنا ، ولأنه لا يخلو عن إهمال أو تقصير أو تجاوز الحدود المألوفة ، قال تعالى : وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلَّا خَطَأً ، وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ ، وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا [ النساء 4 / 92 ] . 3 - كان من توابع توبة موسى عليه السلام من فعله أنه أقسم بما أنعم اللّه عليه ألا يظاهر ولا يعاون مجرما . ويصح أن يكون قوله : رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ استعطافا كأنه قال : رب اعصمني بحق ما أنعمت علي من المغفرة أو غيرها من النعم كالمعرفة والحكمة والتوحيد ، فلن أكون إن عصمتني ظهيرا ( معينا ) للمجرمين . 4 - دلت آية فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ على أنه لا يجوز معاونة الظلمة والفسقة . قال عطاء : فلا يحل لأحد أن يعين ظالما ، ولا يكتب له ، ولا يصحبه ، وأنه إن فعل شيئا من ذلك فقد صار معينا للظالمين . وفي الحديث : « ينادي مناد يوم القيامة : أين الظلمة وأشباه الظلمة وأعوان الظلمة ، حتى من لاق لهم دواة ، أو برى لهم قلما ؟ فيجمعون في تابوت من حديد ، فيرمى به في جهنم » . و في حديث آخر رواه الديلمي عن معاذ : « من مشى مع ظالم فقد أجرم » و يروى أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من مشى مع مظلوم ليعينه على مظلمته ، ثبّت اللّه قدميه على الصراط يوم القيامة يوم تزلّ فيه الأقدام ، ومن مشى مع ظالم ليعينه على ظلمه ، أزلّ اللّه قدميه على الصراط يوم تدحض فيه الأقدام » . 5 - دل قوله تعالى : فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خائِفاً على أن الخوف غريزة